مفهوم الإنجاز بين الدعاية والواقع في ميزان الميدان كتب فراس رفعت زعيتر في البناء منذ اندلاع الجولة الثانية من الحرب، ار
مفهوم الإنجاز: بين الدعاية والواقع في ميزان الميدان
كتب فراس رفعت زعيتر في البناء
منذ اندلاع الجولة الثانية من الحرب، ارتفعت في الداخل اللبناني أصوات اعتادت أن تتموضع في اللحظة الحرجة حيث يجب أن تكون الكلمة سلاحاً، فإذا بها تتحول إلى صدى لرواية العدو. نغمة واحدة تتكرر: المقاومة مسؤولة، وهي التي تجرّ البلاد إلى ما لا طاقة لها به، فيما يُقدَّم العدو في صورة من لا يريد حرباً ولا يملك أطماعاً. لكن خلف هذا الخطاب، يختبئ تحريف أخطر: إعادة تعريف “الإنجاز” بما يخدم رواية الهزيمة.
هنا تحديداً يجب التوقف، ليس عند النوايا، بل عند المفهوم نفسه: ما هو الإنجاز في ميزان الحروب، وخصوصاً في حروب المقاومة؟
منذ اليوم الأول للمعركة البرية، انطلقت ماكينة الشائعات. سقطت هذه البلدة، واحتُلت تلك، وارتفع علم العدو هنا وهناك. مشهد متكامل يُراد له أن يترسخ: العدو يتقدم ويحقق الإنجازات، والمقاومة تتراجع وتفشل. لكن هذه السردية، على صخبها، تتجاهل أبسط قواعد العلم العسكري، أو تتعمد القفز فوقها.
عند العودة إلى ما قبل هذه الجولة، وتحديداً إلى وقف إطلاق النار في تشرين ٢٠٢٤ بعد ٦٦ يوماً من القتال، تظهر الحقيقة الصلبة: العدو، رغم تفوقه الناري والجوي، لم يستطع تثبيت احتلاله في أي بلدة جنوبية. دخل إلى بعض النقاط، لكنه عجز عن البقاء. وفي علم الحرب، البقاء هو المعيار، لا لحظة الدخول.
ثم جاءت المرحلة التالية، حيث التزمت المقاومة بالاتفاق وانسحبت من جنوب الليطاني، وأوقفت نشاطها العسكري هناك بالكامل. في المقابل، لم يلتزم العدو. على مدى خمسة عشر شهراً، تحرك بحرية، دمّر، فجّر، ومنع الأهالي من العودة، فارضاً سيطرة فعلية على القرى الأمامية. أي أن الميدان، عملياً، كان مفتوحاً له ومغلقاً أمام المقاومة.
إذاً، نحن أمام واقع واضح: عدو يسيطر ويتحرك بلا عوائق لمدة طويلة، ومقاومة غائبة قسراً عن تلك الجغرافيا. هنا، وفق منطقهم، كان يفترض أن يكون “الإنجاز” قد تحقق بالكامل لصالح العدو.
لكن ما إن عادت الاشتباكات، حتى تغيّر المشهد جذرياً. فجأة، عادت المواجهة إلى الخطوط الأمامية نفسها. اشتباك مباشر، من مسافة صفر، داخل النقاط التي كان العدو يتحرك فيها بحرية مطلقة. هذا التحول وحده كافٍ لطرح السؤال الذي يتهرب منه الكثيرون: من الذي فرض نفسه مجدداً في الميدان؟ ومن الذي فقد احتكاره للحركة والسيطرة؟
الإنجاز، في معناه العسكري الحقيقي، لا يُقاس بعدد الكيلومترات التي يدخلها جيش، ولا بعدد القرى التي يعلن السيطرة عليها في بيانات إعلامية. الإنجاز يُقاس بالقدرة على تثبيت هذه السيطرة، وعلى تحويلها إلى واقع دائم لا يمكن كسره. وهذا تحديداً ما عجز عنه العدو سابقاً، وما يواجه التحدي ذاته فيه اليوم.
أما حروب المقاومة، فلها معيار أكثر دقة وصرامة: ليس مطلوباً منها أن تمنع التقدم المؤقت لجيش نظامي مدجج، بل أن تمنعه من الاستقرار. أن تحوّل كل مساحة يدخلها إلى عبء، وكل نقطة يتمركز فيها إلى استنزاف. أن تنقل المعركة من “احتلال أرض” إلى “عجز عن البقاء فيها”.
انطلاقاً من هذا الفهم، يتبدل المشهد بالكامل. عودة الاشتباك إلى مناطق كانت محرّمة على المقاومة طوال خمسة عشر شهراً ليست تفصيلاً، بل تحول استراتيجي. القدرة على القتال من مسافة صفر، وإيقاع الخسائر، واستهداف الآليات، وإطلاق الصواريخ من نقاط قريبة من الحدود، كلها مؤشرات على أن الميدان لم يُحسم، بل فُتح من جديد.
قد يدخل العدو إلى قرى، وقد يتقدم، وقد يصل إلى خطوط جغرافية معينة، لكن كل ذلك يبقى في إطار الحركة، لا في إطار الإنجاز النهائي. لأن السؤال الحاسم يبقى: هل يستطيع البقاء؟ هل يستطيع فرض معادلة دائمة؟
التاريخ القريب يقدّم الإجابة بوضوح لمن يريد أن يرى: كل احتلال دخل هذه الأرض خرج منها، ليس لأنه لم يتقدم، بل لأنه لم يستطع أن يحوّل تقدمه إلى استقرار.
لذلك، فإن إعادة تعريف الإنجاز اليوم ليست مسألة لغوية أو إعلامية، بل معركة بحد ذاتها. إما أن يُفهم الإنجاز كما هو في علم الحرب " قدرة على الفرض والتثبيت " أو يُختزل إلى مشاهد عابرة تُستخدم لصناعة وهم النصر.
في المحصلة، ما يجري في الميدان لا يشبه الصورة التي يُراد تسويقها. وبين من يقرأ الوقائع كما هي، ومن يردد ما يُراد له أن يُقال، يبقى الفارق واضحاً.
الإنجاز ليس ما يُعلن، بل ما يصمد. وليس ما يدخل، بل ما يبقى.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها